ابن كثير

248

معجزات النبي ص

ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء ، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم ، أي المتقدم عليهم في الموت ، وهكذا وقع ، فإن هذا كان في مرض موته عليه السلام ، ثم أخبر أنه شهيد عليهم ، وإن تقدم وفاته عليهم ، وأخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الأرض ، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم ، قال أبو هريرة : فذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنتم تفتحونها كفرا كفرا ، أي بلدا بلدا ، وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده ، وهكذا وقع وللّه الحمد والمنة ، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا ، وقد وقع هذا في زمان على ومعاوية رضى اللّه عنهما ثم من بعدهما ، وهلم جرا إلى وقتنا هذا ، ثم قال البخاري : حدثنا علي بن عبد اللّه ، أنا أزهر بن سعد ، أنا ابن عون ، أنبأني موسى بن أنس ابن مالك عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم فتقد ثابت بن قيس ، فقال رجل : يا رسول اللّه أعلم لك علمه ؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه ، فقال : ما شأنك ؟ فقال : شرا كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد حبط عمله وهو من أهل النار ، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا ، قال موسى : فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة ، فقال : اذهب إليه فقل له : إنك لست من أهل النار ، ولكن من أهل الجنة « 1 » . تفرد به البخاري ، وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله ، وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد اللّه بن سلام أنه يموت على الإسلام ، ويكون من أهل الجنة ، وقد مات رضى اللّه عنه على أكمل أحواله وأجملها ، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لإخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام ، وكذلك وقع . وقد ثبت في الصحيح الإخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة ، بل ثبت أيضا الإخبار عنه صلوات اللّه وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وقيل : وخمسمائة ، ولم ينقل أن أحدا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب المناقب ( 3613 ) ( 10 / 486 ) .